يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

316

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

وجملة القول في ما أنت فيه بالخيار وفي ما لا خيار فيه ، أن كل ما وقع على ضمير الاسم المبتدأ المجحود ، وما وقع على المبتدأ والخبر من أفعال الظن والعلم لا يخرجه عن حكم الاسم الظاهر في المعنى فتكون فيه بالخيار : إن شئت أبدلت من الظاهر ، وإن شئت أبدلت من الضمير كقولك : ( ما أحد يقول ذاك إلا زيد ) فزيد بدل من " أحد " ، وإن شئت من الضمير في " يقول " ، وكذلك : ( ما ظننت أحدا يقول ذاك إلا زيدا وإلا زيد ) ، وأما الاختيار فيه : فقولك : ( ما ضربت أحدا يقول ذاك إلا زيدا ) ، لا يكون فيه إلا النصب ، لأن الضرب هو المنفي في المعنى ، والقول ليس بمنفي ، فلم يجز البدل من الضمير المستمكن فيه لأنه موجب . ومما قوى به سيبويه البدل من الاسمين في أفعال الظن والعلم في المنفي في أنك تقول : ( ما رأيته يقول ذاك إلا زيد ) ، و ( ما أظنه يقوله إلا عمرو ) . وذلك أن الهاء ضمير الأمر والشأن ، و " رأيت " بمعنى علمت ، والاعتماد على ما بعد " رأيته " و " أظنه " ، فكأنه قال : ما يقول ذلك إلا زيد ، فهذا يدل على جواز البدل من الضمير الذي في " يقول " في قولك : ما ظننت أحدا يقول ذلك إلا زيد . واعلم أنك إذا قلت : ( أقل رجل يقول ذاك إلا زيد ) ، فلا يصلح البدل من لفظه . لأنا إذا أبدلنا " زيدا " من " أقل رجل " طرحناه في التقدير ، فبقي : ( يقول ذاك إلا زيد ) ، وهذا لا يصلح ، ولكنا نرده إلى معناه حتى يصح البدل . و " أقل " ينصرف على معنيين : أحدهما : النفي العام والآخر : ضد الكثرة . وتقديره إذا أريد به النفي العام : ما رجل يقول ذاك إلا زيد . وإن أريد به الكثرة ، فتقديره : ما يقول ذاك كثير إلا زيد . ومعناهما يؤول إلى شيء واحد . وقوله : " كذلك أقل من وقل من إذا جعلت من نكرة بمنزلة رجل لزمتها الصفة ، فإذا قلت : أقل من يقول ذاك ، صار يقول ذاك صفة لمن ، ويبقي أقل بلا خبر . وإذا قلت : أقل رجل يقول ذاك ، " فرجل " غير محتاج إلى صفة ، ويقول - ذاك : خبر أقل ، " وزيد " : بدل من " أقل " كما ذكرناه ، وأقل من يقول ذاك ، لم يتم به الكلام ، وتمامه في قولك : " إلا زيد " فيصير بمنزلة : ما أخوك إلا زيد . وأما قل من يقول ذاك فهو كلام تام لأنه فعل وفاعل . وحكى سيبويه عمن لم يسمه من النحويين ، أن المنفي إذا كان في لفظه الإيجاب جائزا ، لم يجز فيه البدل ، ولم يكن غير النصب كقولك : ما أتاني القوم إلا أباك ، لأنه يجوز أن تقول : أتاني القوم إلا أباك . ورد سيبويه على صاحب هذا المذهب بقوله عز وجل : ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [ النساء : 66 ] فرفع " وفعلوه " يقع في الإيجاب . والقياس أيضا يبطل هذا المذهب ، لأنا إذا قلنا : ما أتاني أحد فقد أحاط العلم أن القوم